صبحي الصالح

33

مباحث في علوم القرآن

بنزول الوحي عن تدوين شيء سوى القرآن « 1 » لكي يحفظ للقرآن صفته الربانيّة ، وبحول دون اختلاطه بشيء ليست له هذه الصفة القدسية ، بينما كان عند نزول الوحي - ولو آية أو بعض آية - يدعو أحد الكتبة فورا ليدون ما نزل من القرآن « 2 » . ولعل هذا كله لا يبدو في نظر بعض الباحثين شيئا مذكورا تلقاء ما عرفناه من النهي الصريح عن محاولة النبي تدريب ذاكرته . وأمام ذاك التجاهل القاهر لاختياره وإرادته ، إذ لا يسعنا إزاء هذه الحقائق إلا أن نعترف باستقلال ظاهرة الوحي عن ذات النبي استقلالا مطلقا ، وتفردها عن العوامل النفسية تفردا كاملا ، فالنبي لا يملك حتى حقّ استخدام ذاكرته في حفظ القرآن بل اللّه يتكفل بتحفيظه إياه ، وقانون التذكر نفسه بطل الآن سحره وعفا أثره تجاه إرادة اللّه « 3 » . فكيف لا يعي النبي - بعد هذا كله - الفرق العظيم بين ذاته المأمورة وذات اللّه الآمرة وهو يرى بنفسه أنّه لا يملك من أمر نفسه شيئا ؟ ومع أن في أقوال النبي أحاديث « توقيفيّة » تلقّى من الوحي مضمونها ، جرّد الكتبة بأمره كتاب اللّه منها مهما تبد شديدة الصلة بالآيات التي تفسرها ، لأن النبي صاغها بأسلوبه ، وبيّنها بلفظه ، وما كان لأسلوبه ولا لأسلوب أحد أن يختلط بأسلوب القرآن المعجز المبين . حتى الأحاديث القدسيّة - رغم اعتراف العلماء بأن معناها للّه أو بأنّه ، كما يقول أكثرهم ، منزل من عند اللّه - نحيّت وفصلت عن القرآن ، لما لوحظ من حرص النبي على عدم خلطها بكتاب اللّه بما كان يستهل به مطالعها من عبارات نبويّة يشعر بها سامعيه أنّه يصوغ بأسلوبه البشري معنى

--> ( 1 ) في صحيح مسلم 8 / 229 عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تكتبوا عني ، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه ، وحدثوا عني ولا حرج . ومن كذب علي متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار » وقارن بكتابنا : « علوم الحديث ومصطلحه » ص 8 . ( 2 ) البرهان 1 / 232 . ( 3 ) قارن بالظاهرة القرآنية 276 .